القصخون في مقاهي رمضان بالموصل

- طقس ليلي يتجدد في الموصل
- من هو القصخون
- المقهى الرمضاني كما عرفته الموصل
- الحكايات وذاكرة المدينة
- تحولات الحضور بين الأمس واليوم
- لماذا يبقى القصخون مهماً في رمضان
طقس ليلي يتجدد في الموصل
في الموصل، لليالي رمضان إيقاع خاص يبدأ بعد الإفطار ويزداد حيوية بعد صلاة التراويح. تمتلئ الشوارع القريبة من الأحياء القديمة وضفاف دجلة بروّاد المقاهي الذين يبحثون عن جلسة هادئة وكأس شاي ثقيل أو قهوة بالهيل، ومعها قطعة حلوى بسيطة أو مكسرات. وسط هذا المشهد يظهر «القصخون» بوصفه علامة من علامات السهر الرمضاني؛ رجل يعرف كيف يجمع الناس حوله ويحوّل المقهى إلى مجلس استماع. لم يكن القصخون مجرد وسيلة للتسلية. دوره أقرب إلى راوٍ عام يضبط مزاج المكان ويمنح السهرة موضوعاً مشتركاً، من دون مكبرات صوت أو شاشات. يعتمد على نبرة صوته وتقطيع الحكاية وتوقيت المفاجآت، وعلى قدرته في التقاط ردود فعل الجالسين. وفي مدينة مثل الموصل، حيث لكل محلة حكاياتها ولهجتها وذكرياتها، يصبح القصخون جزءاً من الحياة الاجتماعية، ويزداد حضوره في رمضان لأن الناس تلتقي في ساعات ثابتة وتبحث عن سهرات تجمع بين المتعة والحديث والإنصات.
من هو القصخون
عادةً ما يجلس القصخون في مكان واضح داخل المقهى؛ قرب عمود في الوسط أو في زاوية مرتفعة قليلاً تسمح له برؤية الطاولات والوجوه. حرفته تجمع بين الحفظ والارتجال. يمتلك مخزوناً من السير والحكايات ذات العبرة والنوادر، إضافة إلى قصص محلية تذكر أسواق الموصل ومهنها وأسماء معروفة في المدينة. بعض القصخونة كانوا يحتفظون بدفاتر صغيرة لا يقرؤون منها حرفياً، بل يدوّنون فيها أسماء وتسلسلات وأبياتاً أو عبارات تساعدهم على تثبيت التفاصيل. في هذا الفن، طريقة الأداء لا تقل أهمية عن مضمون الحكاية. القصخون المتمكن يغيّر نبرة صوته بين الشخصيات، ويقف عند لحظات محددة ليصنع تشويقاً، ثم يلخّص بسرعة لمن يدخل متأخراً كي لا ينقطع خط السرد. وهو أيضاً يدير مزاج المقهى؛ فإذا ارتفعت الأصوات أو تشتت الانتباه، يسرّع الإيقاع أو يطلق نكتة أو يخاطب الجالسين مباشرة. وفي رمضان، حيث يجتمع في المقهى شباب وكبار سن، يختار مفردات محترمة وقصصاً تصلح للجميع، ويُبقي الرسالة ضمن قيم مألوفة مثل الكرم والصبر وحسن الجوار. من الناحية الاقتصادية، يرتبط وجود القصخون بحسابات صاحب المقهى. الراوي المعروف يجذب الزبائن ويجعلهم يمكثون وقتاً أطول ويطلبون المزيد من الشاي والقهوة. أحياناً يتقاضى القصخون أجراً ثابتاً، وأحياناً يعتمد على «النقوط» الذي يقدمه المستمعون. وفي الحالتين، تنتشر سمعته بسرعة بين المحلات، وقد يحدد موسم رمضان مكانته لبقية العام.
المقهى الرمضاني كما عرفته الموصل
المقاهي الرمضانية في الموصل كانت تُدار بتفاصيل عملية واضحة: ترتيب الجلسات بحيث تبقى الرؤية مفتوحة نحو مكان القصخون، حركة مستمرة لخدمة الشاي، وتوقيت ينسجم مع حركة المدينة بعد التراويح. يصل الزوار على دفعات؛ تبدأ السهرة بمن يخرجون مباشرة من الصلاة، ثم تمتلئ الطاولات بروّاد يعرفون أماكنهم المعتادة ويعرفون تقريباً متى يبدأ السرد. كثيرون كانوا يضبطون مشيهم كي لا يفوتهم افتتاح الحكاية. قائمة الطلبات بسيطة لكنها ثابتة. الشاي هو العنوان الأبرز، يُقدَّم على جولات متتالية، وتأتي القهوة كإشارة إلى جلسة أطول. قد تظهر مشروبات موسمية أو تسالي خفيفة، لكن جوهر السهرة ليس الطعام بل الاجتماع نفسه. في بعض المقاهي، تبدأ الأحاديث الجانبية على الطاولات، ثم ما إن يرتفع صوت القصخون حتى يهدأ المكان تدريجياً ويصير السرد محور الانتباه. خصوصية رمضان هنا لا تتعلق بالوقت فقط، بل بوظائف المقهى الاجتماعية. هو مساحة للراحة بعد الصيام، وموعد مفتوح للقاء الأصدقاء من دون ترتيبات رسمية، ومنبر لسماع حكايات تربط اليومي بالذاكرة العامة. قصص القصخون غالباً ما تتضمن تعابير موصلية مألوفة ونكاتاً محلية ومشاهد من الأسواق والأزقة، وهذا يمنح الجالسين لغة مشتركة حتى لو لم تكن بينهم معرفة سابقة.
الحكايات وذاكرة المدينة
مادة القصخون تتبدل من ليلة إلى أخرى، لكن هناك خطوطاً عامة تتكرر. تظهر السير والحكايات الطويلة بصيغ تناسب ذائقة أهل الموصل، مع تركيز على الشجاعة والوفاء وحسن التدبير. وتكثر أيضاً الحكايات ذات العبرة، خصوصاً في رمضان، لأن الجمهور يميل إلى قصص تذكّر بالسلوك الحسن من دون أن تتحول السهرة إلى موعظة مباشرة. أما النكتة فليست زينة إضافية؛ هي أداة لضبط الانتباه وتخفيف أي توتر بين مجموعات الجالسين، وإبقاء الجو ودوداً. ذاكرة المدينة عنصر حاسم في هذا الفن. القصخون يذكر المهن والأسواق، ويتحدث عن أصول الزيارة و«السوالف» بين الجيران، ويستدعي أسماء أماكن تحمل دلالات عند أهلها. تتحول الجغرافيا إلى جزء من السرد، فيشعر المستمع أن الحكاية تمشي في شوارع يعرفها. وأحياناً يمرّ الراوي على أحداث قريبة من زمنه بطريقة حذرة وغير صدامية، فيجعلها درساً عن التعاون والصبر وأهمية السند الاجتماعي. ومن سمات السهرة التفاعل المباشر. قد يطلب أحدهم قصة بعينها، أو يسأل عن تكملة من الليلة السابقة، فيلخّص القصخون ما مضى ثم يواصل. هذا الأسلوب المتسلسل يناسب رمضان لأن الناس تعود كل ليلة تقريباً، ويصنع «تقويماً» خاصاً للمقهى؛ يتذكر الجالسون أين توقف البطل، وتصبح الليالي محسوبة بالحلقات والنهايات أكثر من كونها ساعات.
تحولات الحضور بين الأمس واليوم
مثل كثير من العادات الحضرية، واجه فن القصخون ضغوطاً مع تغيّر وسائل الترفيه وأنماط السهر. الإذاعة والتلفزيون قدّما سرداً جاهزاً داخل البيوت، ثم جاءت الهواتف ومقاطع الفيديو لتجعل المتعة أكثر فردية وأقل ارتباطاً بالمكان. حتى المقاهي نفسها تغيّرت؛ بعضها صار يفضّل شاشات المباريات أو الموسيقى، وبعضها أعاد ترتيب جلسته ليزيد عدد الطاولات وحركة الطلبات بدلاً من جلسات طويلة للإنصات. ومع ذلك، لا يمكن اختزال تراجع القصخون في ظهور وسائل جديدة فقط. هناك عوامل تتعلق بتوفر الراوي المتمكن وباقتصاد المقهى. صناعة قصخون تحتاج وقتاً وتدرّباً ووجود مكان ثابت يبني فيه جمهوره. وعندما يقل استعداد أصحاب المقاهي لتخصيص زاوية رئيسية لراوٍ لساعات، يصبح من الصعب على جيل جديد أن يرى في هذه المهنة مستقبلاً واضحاً. في الموصل، ظهرت محاولات للتكيّف. بعض الفعاليات الثقافية واللقاءات المجتمعية أعادت ليالي الحكاية، خصوصاً في رمضان، بوصفها جزءاً من تراث المدينة لا مجرد فقرة لجذب الزبائن. وفي حالات أخرى، اختصر القصخون زمن السرد، أو مزج بين الحكايات المعروفة والنوادر المحلية، أو استخدم لغة أوضح لتصل إلى مستمعين أصغر سناً. هذه التعديلات هدفها عملي: الحفاظ على جوهر التجربة، أي الاستماع الجماعي في مكان عام، ضمن إيقاع الحياة المعاصرة.
لماذا يبقى القصخون مهماً في رمضان
أهمية القصخون أنه يوثّق طريقة كانت الموصل تنظم بها حياتها العامة حول وقت مشترك وانتباه مشترك. في رمضان يظهر هذا النموذج بوضوح أكبر؛ الناس تتحرك في ساعات متقاربة، وتبحث عن نقاط لقاء مألوفة، وتفضّل نشاطاً يشعرها بالجماعة لا بالعزلة. وجود قصخون في مقهى يقدّم مشاركة ثقافية متاحة للجميع، لا تحتاج تذاكر ولا معرفة مسبقة، بل تحتاج رغبة في الجلوس والاستماع. كما أنه يحفظ نوعاً محدداً من اللغة. أداء القصخون يحمل تعابير موصلية وأمثالاً وإيقاعاً في الكلام يصعب نقله على الورق. حين يسمع الجمهور هذه العناصر مباشرة، يتعلم الحكاية ويتعلم معها أسلوب الحكي: أين يتوقف الراوي، وكيف يشدد على معنى، وكيف يمرر فكرة من دون جدل. بالنسبة للشباب، قد تكون هذه السهرة مدخلاً عملياً إلى تراث المدينة، مدخلاً مرتبطاً بالناس والشارع لا بالمحاضرات. المحافظة على هذا الفن تحتاج دعماً واقعياً لا شعارات. المطلوب مقاهٍ تقبل باستضافة ليالي الحكاية، ومنظمون يضعون برنامجاً منتظماً في رمضان، وجهود توثيق تسجل الأداء من دون أن تحوله إلى قطعة جامدة. القصخون ينجح حين يبقى جزءاً من السهر اليومي، ومقاهي رمضان في الموصل تظل المكان الأكثر طبيعية لاستمرار هذا الخيط بين الماضي والحاضر.

















